شركات التكنولوجيا تتسبب في نوع مختلف من انهيار العقارات

شركات التكنولوجيا تتسبب في نوع مختلف من انهيار العقارات

الشركات تخفض المساحات المكتبية في دبلن.. وتراجع قيمة العقارات في بعض المناطق من 40 إلى 50% عن مستوى ذروتها

تمسك ملاك المكاتب، الذين تضرروا من الانهيار العالمي، بالأمل في أن المباني الجديدة المطابقة لمعايير البيئة الخضراء الصارمة ستبقى تتطلب إيجارات وأسعار أعلى. تبرز دبلن بوصفها حكاية تحذيرية من أن مثل هذا التفاؤل ربما لا يدوم.

 

 

في مقاطعة نورث دوكس بالمدينة، بدأت المباني الجديدة تنزلق إلى دعاوى طلب الحماية من الإفلاس بعد أن قلصت شركات التكنولوجيا الأميركية مقدار المساحات الجديدة التي استأجرتها وارتفعت تكاليف الاقتراض.

 

 

هبطت القيم فعلاً بنسبة تتراوح من 40% إلى 50% عن مستوى ذروتها، بحسب مستثمرين وشركات وساطة، الذين يتوقعون استمرار تراجع الأسعار وضغوط التمويل خلال الشهور المقبلة.

 

 

بداية التراجع

 

 

بدأ التراجع بمنطقة اشتهرت قبل عقد من الزمان بهيكل إنشاءات غير مكتمل لمقر جديد لبنك "الأنجلو أيرلندي" (Anglo Irish Bank) بعد أن أسهم انهياره في تدهور الاقتصاد بطريقة كبيرة خلال الأزمة المالية.

 

 

يعزا انتعاش أيرلندا في أعقاب ذلك جزئياً لتوسع شركات على غرار "ألفابت" و"ميتا بلاتفورمز" ما عزز الطلب على مساحات مكاتب العمل، وسارعت شركات التطوير العقاري إلى توفيرها، حتى توقف توسع شركات التكنولوجيا الكبرى وسط التركيز على التكاليف بعد الإفراط في التوظيف إبان تفشي وباء كورونا.

 

 

أوضحت سو موندن، كبيرة محللي البحوث في "بلومبرج إنتليجنس": "تنتشر ثقافة العمل عن بعد في قطاع التكنولوجيا أكثر من قطاعات أخرى عديدة، والتي يبدو أنها باتت أشد رسوخاً بسبب وباء كورونا. قد تكون مجموعات التكنولوجيا على غرار دبلن أكثر عرضة للأخطار في حال حدوث أي تراجع في الطلب على مساحات المكاتب من قبل القطاع".

 

المباني المتعثرة

 

 

تغيرت منطقة الأرصفة البحرية لدبلن تماماً خلال الأعوام الأخيرة، حيث تحول ربع المدينة الفقير اقتصادياً إلى حي تجاري وسكني بجانب نهر ليفي. لكن كان هناك عدد متزايد من العقارات المتعثرة في منطقة نورث دوكس خلال الشهور الأخيرة.

 

 

تجدر الإشارة إلى أن هذه القصة تستند إلى مقابلات مع أكثر من 10 مستثمرين ومديري أصول ووسطاء طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم نظراً لمناقشة معلومات غير معلنة.

 

 

استولى أحد الدائنين على مبنى مؤجر لشركة "ميتا" في هذه المنطقة السنة الماضية، بينما عانى المطور العقاري المحنك جوني رونان من دخول عدد من الأصول، بما فيها مبنى مكتبي، في عملية إعادة هيكلة توافقية أواخر 2023. امتنع رونان عن التعليق على الموضوع.

 

 

منذ ذلك التوقيت، عينت شركة "باسيفيك انفستمنت مانجمنت" (Pacific Investment Management Co) حراساً قضائيين على مشروع نورث دوكس الذي تم تطويره بواسطة مشروع مشترك يضم الوكالة الوطنية لإدارة الأصول، البنك المتعثر في البلاد. ربما تباع المباني بأقل من قيمة الدين الكبير البالغ 120 مليون يورو (130 مليون دولار) وفق عرض تقدمت به شركة "بيمكو"، بحسب اثنين من الوسطاء المطلعين على الموضوع. رفضت الوكالة و"بيمكو" التعليق على الأمر.

 

 

فقد المستثمرون أيضاً السيطرة على مجموعة عقارات مؤجرة لشركة "وي وورك" (WeWork) ، بينما يتوقع 5 أشخاص مطلعين على الموضوع خضوع مزيد من المباني المشيدة خلال الأعوام الأخيرة عبر كافة أنحاء المدينة للحراسة القضائية الشهور المقبلة.

 

 

يشكل ذلك جزءاً من تراجع عالمي أوسع أضر بتقييمات أسعار العقارات التجارية من نيويورك إلى لندن وصولاً إلى هونغ كونغ، مع تداعيات على شركات التطوير العقاري والمستثمرين والبنوك ومؤسسات إقراض أخرى. ستتعرض قروض عقارية تجارية إضافية لمشكلات العام الجاري إذ يخفض مستأجرو مكاتب العمل المساحات، بحسب وكالة "فيتش ريتينغز"، ما يفاقم صعوبة إعادة التمويل ويترك المباني القديمة عرضة لخطر تركها شاغرة.

 

 

التعرض لمخاطر الائتمان

 

 

في دبلن، هبط تأجير المكاتب في الربع الأول لأدنى مستوى له منذ عقد، عدا حقبة وباء كورونا، بحسب شركة "جونز لانغ لاسال". أوضح محافظ البنك المركزي الأيرلندي، غابرييل مخلوف، بوقت سابق من السنة الحالية أن الجهات التنظيمية "تراقب عن كثب" العقارات التجارية ولكن "نشعر في الوقت الراهن أن النظام مرن بما فيه الكفاية لإدارة التقييمات المنخفضة".

 

 

من بين أسباب التفاؤل أن التراجع لن يضر البنوك الأيرلندية بأي قدر قريب مما حدث خلال 2008. عوضاً عن ذلك، جرى توفير تمويل كبير هذه المرة من قبل شركات الائتمان الخاصة.

 

 

في الوقت الحاضر، تتجاهل بعض البنوك بطريقة كبيرة خرق شروط القروض المرتبطة بقيمة العقار، حسبما قال العديد من الأشخاص، وذلك مؤقتاً على أمل أن تحفز التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة التعافي بصورة ما.

 

 

رغم ذلك، يتوقع أحد خبراء الإفلاس أن ينفد الصبر تجاه المقترضين خلال النصف الثاني من السنة الجارية إذ تجلب مبيعات الأصول من قبل إدارة الحراسة القضائية مزيداً من الوضوح للتقييمات.

 

 

العمل من المنزل

 

 

في العاصمة الأيرلندية كما هو الحال عبر أماكن أخرى، تفاجأ الملاك والبنوك بانتشار ظاهرة العمل من المنزل بين العاملين بمجال التكنولوجيا في أعقاب تفشي وباء كورونا.

 

 

أبرمت شركات التكنولوجيا عقود إيجار مساحات أقل بنسبة 90% تقريباً خلال الربع الأخير من السنة الماضية مقارنة بالربع الأول من 2019، بحسب بيانات جمعتها وكالة الوساطة "ليزني" (Lisney). جرى تأجير العديد من المباني قبل الانتهاء من البناء، فيما يعرف بالتأجير المسبق.

 

 

ذكر جيمس مولهول، المدير العام في "مورفي مولهال" (Murphy Mulhall): "مع ابتعاد شركات التكنولوجيا الكبرى فعلياً حالياً من سوق التأجير المسبق، فإن الطلب الأكثر قوة يأتي من شاغلي المساحات من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي عادة ما تستأجر مساحة تكفي لعدد يتراوح من 20 إلى 80 شخصاً بالمقارنة مع مساحة كافية لعدة مئات من الأشخاص كانت تستأجرها شركات التكنولوجيا الكبيرة. يعني هذا، علاوة على نماذج العمل الهجينة، أن تأجير المباني المكتبية سيستغرق وقتاً أطول".

 

 

قال أحد المستثمرين إن شركات تطوير المكاتب في دبلن حاولت خلال الأعوام الأخيرة رفع القيم بشدة عن طريق زيادة عدد الوحدات بأقل تكلفة ممكنة، عوضاً عن بناء المباني وفق متطلبات المستأجرين والعمال.

 

 

بينما لم يمثل هذا أهمية كبيرة عندما كان هناك نقص بالمباني عالية الجودة، سيكون لدى المستأجرين حالياً خيارات إضافية. ستتعرض الإيجارات لضغط هبوط الأسعار إذ تتحرك شركات التكنولوجيا للتخلي عن مساحات المكاتب التي لم تعد بحاجة إليها. تشير "جونز لانغ لاسال" إلى أن هذه المساحات الزائدة عن الحاجة بلغت مستوى قياسياً في دبلن.

 

 

تدرس شركة "سيلزفورس" (Salesforce)، التي تواصل التوظيف، التأجير من الباطن لمساحة 80 ألف قدم مربع في نورث دوكس، بحسب أشخاص على دراية بالموضوع. امتنعت الشركة عن التعليق بهذا الشأن.

 

 

ذكر متحدث باسم البنك المركزي الأيرلندي أن البنك، الذي أعاد تطوير مبنى "الأنجلو أيرلندي" في نهاية المطاف ليصبح مقراً له، يسعى إلى تأجير حوالي 105 آلاف قدم مربع من المكاتب في عقار واحد ويبيع أيضاً بعض المساحات بالمنطقة.

 

 

حالة عدم اليقين

 

 

تسود حالة من عدم اليقين على نطاق واسع إزاء ما سينتهي الأمر إليه بالسوق. يتمثل السيناريو الأساسي لبنك "آلايد إيرش بانكس" (Allied Irish Banks) في تراجع أسعار العقارات التجارية 2.5% العام الحالي. تتوقع مجموعة "ريفال بنك أوف إيرلندا غروب" (Rival Bank of Ireland Group) انخفاضاً أشد للغاية بنسبة 11%.

 

 

تكبدت "آلايد إيرش بانكس" فعلاً ما اعتبرته "خسارة كبيرة" بلغت 327 مليون يورو (355 مليون دولار) السنة الماضية، جزء منها مرتبط بالمكاتب. تضاعفت قروض العقارات والبناء إذ زادت مخاطر الائتمان إلى 2.8 مليار يورو. أشار متحدث باسم "آلايد إيرش بانكس" إلى أن البنك يعتقد أن الجزء الأكبر من التراجع قد حدث، وربما يحدث انتعاش طفيف بداية من 2025 إذا جرى تيسير السياسة النقدية بوقت لاحق من السنة الجارية.

 

 

يتوقع خبراء قطاع العقارات أن السوق لن ترتفع قبل سنتين على الأقل، لكن مع شح عمليات البناء الجديدة، سيفيد الطلب المستقبلي مالكي أفضل المباني من حيث تطبيق معايير البيئة الخضراء، لا سيما قبيل تحقيق هدف تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول نهاية العقد الحالي.

 

 

ذكرت أويف برينان، كبيرة مديري "ليزني": "سيستمر وجود الطلب في الأجل المتوسط، لكنه سيكون أقل حجماً لتلبية احتياجات السوق وفق الوضع الطبيعي الجديد لها". ستلعب تعهدات الحوكمة البيئية والمجتمعية والشركات دوراً أيضاً في هذا الصدد، لذلك سيتركز الطلب على المباني عالية الجودة والموفرة في استهلاك الطاقة".

 

المصدر | بلومبرغ